محمد بن علي الشوكاني

1358

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

مذكورا في هذه السورة قبل التواصي بالحق ، وكذلك لما كان عمل الصالحات مذكورا قبله كان حمله على التوحيد سائغا مقبولا ؟ قلت : إذا كان عمل الصالحات مما تدخل فيه أركان الإسلام دخولا أوليا فقد دخل التوحيد فيها من هذه الحيثية ، بل دخوله فيما مقدم على دخول سائر أركان الإسلام ، لأنه بأنها الذي يدخل منه إليها ، ومفتاحها الذي لا يتيسر لأحد الوصول إليها بدونه ، فالتفسير للحق به لم يأت بفائدة لم يتقدم في هذه السورة ما يفيدها . فإن قلت : هذا الإلزام مشترك بينك وبين هذا القائل ، فإن عمل الصالحات قد اشتمل على التواصي بالحق على الصورة التي فسرت الآية ها ، لأنه من عمل الصالحات . قلت : نعم هو من جملة عمل الصالحات ، وكذلك التواصي بالصبر ، ولكنهما لما كان يكثر الانتفاع هما ، ويتعاظم الأثر الحاصل عنهما كان ذلك وجها لافرادهما بالذكر ، وذلك نكتة مسوغة لمثل هذا كما صرح به أرباب المعاني والبيان . فإن قلت : لهذا القائل أن يسلك هذا المسلك الذي سلكته ، ويقول أن التواصي بالتوحيد لما كان بالمنزلة التي هو ها حسبما قدمت ذكره صالح لإخراجه من عموم الصالحات ؟ قلت : هو وإن تم له هذا فقد ارتكب خلاف ما يدل عليه اللفظ ، فإن قصر الحق على التوحيد لم يدل عليه هذا اللفظ القرآني بوجه من الوجوه المعتبرة ، فالأولى ما قدمنا ذكره من دخول التوحيد تحت الأعمال الصالحة دخولا أوليا ، وحمل التواصي بالحق على ما ذكرنا ، فإن ذلك هو الذي يفيده المعنى الذي يجب علينا تفسير كتاب الله - سبحانه - به . فإن قلت : هاهنا إشكال آخر ، وهو أنه إن حمل التواصي بالحق على العموم لم يكن في قدرة أحد من العباد ذلك ، وإن حمل على الإطلاق الصادق على البعض فما هو ؟ قلت : هو محمول على البعض الذي يحق التواصي به كما قدمنا بيانه فلا إشكال .